منتدى الأسرة العربية لصيد الفوائد

منتدى الأسرة العربية لصيد الفوائد نساعدك في الرجوع لطريق المستقيم بعون لله
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
دليل مواقع

شاطر | 
 

 القلادة.!!3

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
الإدارة العليا
الإدارة العليا
avatar

الدولة : المغرب
المزاج :
عدد المساهمات عدد المساهمات : 2924
نقاط التميز نقاط التميز : 12030
السٌّمعَة السٌّمعَة : 665
تاريخ التسجيل تاريخ التسجيل : 12/06/2012
العمر العمر : 22
ذكر

مُساهمةموضوع: القلادة.!!3   الأربعاء يوليو 25, 2012 9:19 am

ومثال ذلك: عندما كان عائدًا من بيت سالم إِثْرَ إحدى مُحاولاته للقائه غاضبًا منه؛ لرفضه التعامُل معه بتاتًا، وأيقن أن المعلومات التي بدأت تكبر عنده عن المسلمين قبل الحرب ستبقى في مكانِها، ولن تكبر على الأقل في الوقت الحالي ... وهو هكذا يُفكِّر في خسارته لسالم؛ بسبب الحرب، وإذا بالجنود اليهود يَجرّون شابَّين من العرب، وهما يُقاومانهم ويشتمانهم، وكانت كلماتهما الغاضبة مؤثرة جدًّا في بنيامين، فقد قال أحدُ الشابين وهو يصرُخ في وجه الجنود، وبكلِّ كبرياء، وأَنَفة، وعدم خوف، في منظرٍ لَم يَرَه قطُّ في الشبان اليهود:
ستدفعون الثمن غاليًا أيها المجرمون، سترحلون من بلادنا حتمًا، وبقاؤكم هنا ليس إلاَّ حلمًا من أحلامِكم الخيالية، فأنتم مغفلون تكذبون على أنفسِكم بأنَّ هذا البلدَ وطنٌ لكم، وستدفعون ثَمَن هذا التخيُّل غاليًا؛ لأننا لن نترككم تنعمون على أرضنا، وتابع الشاب الثاني الحديثَ قائلاً بعزة تشبه عزة الأول:
أيُّها الأغبياء، سنطردكم من أرضنا، وسنقتلكم كُلَّ يوم، ولن تنعموا أبدًا، وهنا جُنَّ جنون اليهود الذين رُعبوا من هذا الكلام، وأثارهم وأثار كبرهم، فكيف يُهدِّد من يُعتقَل مَن يَعتقِل؟! ولذا أصبحوا كالثَّورِ الهائج، وانكبُّوا على الشابين يَضربونهما بكلِّ وحشية بمُؤخرة بنادقِهم حتى كسرت يَدُ أحدِ الشابين، ونزفت الدِّماء من الآخر، وظلوا هكذا حتى استطاعوا السيطرةَ عليهما بعدما أن انهارت قواهما، ووضعوهما في سيارة وأخذوهما.
بُهِتَ بنيامين من كل ما رأى، وتساءل بينه وبين نفسه: هل نَحن في غابة أو في دولة ديمقراطية؟ وهل ستبقى حياتنا في هذا البلد على هذا المنوال، إذًا فنحن في عالم خارجٍ عن الإنسانية، ثُمَّ سأل نفسَه: هل أنت مجنون - يا بنيامين - لتبقى في هذا البلد؟ ثُمَّ رد على نفسِه: وهل تريدني أنْ أرحلَ عن وطني، فهذا هو مصيرك، فأنت يهودي، وإسرائيل هو وطن اليهود، فهل تريد أن تعيشَ بعيدًا عن شعبك، ويعيش أبناؤك غريبين لا يعلمون وطنَهم، وهنا سكت وترك هذه الأفكار التي لا جوابَ له عليها.
بدأت السنةُ الدراسيةُ الثالثةُ بالنسبة لبنيامين، ونَسِيَ قصةَ الرحيل من وطنه، ونَسِيَ الحربَ، وعاد لينشغل بمحاضراته وبحياته، ولم يَمُرَّ سوى أسابيعَ قليلة على بداية الجامعة، فإذا به يسمع أنَّ الشرطةَ اليهودية اعتقلت سالِمًا، فاستغرب كثيرًا، وانزعج لهذا الخبر، خاصَّة أنَّ سالِمًا هو الآن يكمل دراسته العليا؛ ليتخصص في الجراحة التخصُّص الذي اختاره؛ لإدراكه أهميتَه في مُجتمعه المحتل، الذي تكثُر فيه الحروب، فقد أحب أن يكون مجاهدًا في طبّه.
فقرر بنيامين أن يذهبَ إلى بيت سالم؛ ليعرفَ الخبر بالتفصيل، وفعلاً ذهب وفوجئت أمُّ سليم بزيارته، ورفضت استقباله بدايةً، ولكنَّه لَمَّا أصرَّ عليها، وأكد لها أنَّه لا يرضى بكل ما يَحدث، ولم يأتِ اليومَ إلا ليطمئن على سالم الصاحب الذي قَدَّم له خدمات كبيرة، فلما شعرت بقلقه وخوفه على ابنها، أدخلته وقَصَّت عليه الخبرَ، وأنَّ سالِمًا لم يُعتقل إلاَّ بسبب أخيه سليم، الذي اعتُقل هو الآخر.
فقد كان سليم، الذي هو الأخ الأكبر لسالم - مُحِبًّا جِدًّا لوطنه، تَملأ قلبَه الغيرةُ على بلده، وأبناء شعبه؛ ولذا كان يُجن عندما يرى أبناءَ شعبه يُذَلُّون ويُظلَمون من اليهود، ويسعى بكلِّ ما يستطيع؛ ليجدَ حَلاًّ لينتقم لهؤلاءِ المظلومين، الذين يعانون في كل يوم، بل في كل ساعة، ومن هنا فقد اتَّفق هو وبعض أصدقائه على حلٍّ رأوا أنَّه سيوجع اليهود بإذن الله.
وكانت الفكرة تتلخص في أنْ يقومَ هؤلاء الشباب بإيقاع الأذى باليهود بقدر المستطاع؛ ولهذا اتَّفقوا على أن يكونَ سلاحُهم هو السكاكين، فكانت قناعتهم أنَّهم يؤذون اليهود، ولو كان بحوادثَ قليلة، المهم أن يبثوا الرعبَ في قلوب اليهود، ولا يتركونهم آمنين، وفعلاً كان هؤلاء الشباب يقومون بطَعْنِ اليهودي، ويلوذون بالفرار، ويعملون هذا الفعلَ على حسب ما يتيسَّر لهم، وبحاراتٍ مُتعددة، وليس بحارة واحدة، فكان ذلك مزعجًا لليهود، ومُسبِّبًا لهم الرعب.
وأصبح هذا الأمرُ لليهود هو شغلهم الشاغل، وسَعَوا لكشفهم، وهذا الذي حدث في النِّهاية، واعتقلتهم الشرطةُ، وكان سالم ممن اعتُقل بسبب أخيه؛ لأنَّهم شكوا أن يكونَ شريكًا له، ولما سمع بنيامين بالقصة، غضب من هؤلاء الشباب من جهة كونه يهوديًّا على كل حال، ومن جهة أخرى غضب من أجل سالم؛ لأنه أدرك أنه ليس له يد فيما يجري؛ ولذا وعد أمَّ سليم بأنْ يساعده؛ ليخرجَ من السجن، ولكنَّ أم سليم لم تعبأ بهذا الوعد؛ لكونها تعلمُ كذبَ اليهود، وعدم وفائهم بالوعود، ولكنها شكرته، وكأنها تصدقه.
ولكن بنيامين أخذ الأمرَ بكل جدية، وكأن شيئًا يدفعه لأَنْ يساعِدَ سالِمًا، وكان بنيامين يظُنُّ أنَّ هذا الأمرَ هو فقط ليرد معروفَ سالم معه، ولكنه في النهاية اكتشف أنَّ السبب الحقيقي هو أنَّه يُحِبُّ سالِمًا بشكل حقيقي؛ ولذا سخر كلَّ معارفه لهذا الأمر، وصار يركض من مكانٍ إلى آخر، ولكن دون فائدة، حتى إنَّ أباه علم بهذه التحرُّكات وتفاجأ بعمله ورَغبته، ولكن بنيامين بَرَّر ذلك بأنه زميل، وقدم له خدماتٍ، وله مَصلحة في إخراجه؛ ولهذا اقتنع والده، وحاول هو الآخر من خلال بعضِ معارفه، وفعلاً أُخرج سالِمٌ من السجن، ولكن أخاه لم يخرج؛ لأنَّ الأدلةَ أدانته، ولكن لم تُدِنْ سالِمًا، ولكنَّ هذه التحرُّكات لم تعجب الشرطةَ، وأصبح بنيامين مثارَ شكٍّ وتساؤلات عند الشرطة، خاصَّة أن بنيامين شُوهِد عِدَّة مرات في بيت سالم.
ولكن الشرطة لم تُولِ اهتمامًا كثيرًا لذلك في البداية، ولكن ما أثارها جديًّا هو وجوده في اليوم الذي تقرَّر فيه هدم بيت أم سليم، وطردهم من القدس؛ ليكون واسطةً؛ لكونه يهوديًّا؛ كي لا يهدم البيتُ، واعتصمت الأسرةُ مع كثير من الجيران، واعتصم بنيامين معهم؛ لعلَّ ذلك يكون مانعًا لليهود؛ كي لا يهدم البيت، فهذا أزعج اليهود، فكيف يشارك يهوديٌّ في معاونة أسرة عربية ضِدَّهم، فحاولوا إقناعه بأن يتخلى عمَّا يقوم به، ولكن دون فائدة.
ولَمَّا استَيْئَسوا بدؤوا يتجاهلونه، ويطلبون ممن يعتصم بأنْ يَخرج بالحُسنى، ولكن لا أحدَ يستجيب، ثُمَّ بدأ التهديد، ولَمَّا لم يستجِبْ أحدٌ ثار جنونُ الجنود، وأمروا بهدمِ البيت على رُؤوس مَن يبقى، وفعلاً بدأ الهدمُ، وصار الناسُ يهربون ويتراكضون، وبدؤوا هم وسالم يُخرِجون الأطفال؛ كي لا يصابون بأذى، فيشعرون بأنَّهم السبب في أذيَّة الأبرياء، خاصَّة أن هذا الأمر لا يهم اليهود مطلقًا، فالقتل هو ديدنهم وعقيدتهم، فلن يكونَ للأطفال أيُّ تأثير في اليهود لتلين قلوبهم، فهم يعرفون أن قلبَ اليهودي لا يلين.
وما هي إلا دقائق، وأصبح هدم البيت حتميًّا لا رَجْعَة فيه، وبدأت الحجارة تَهوي حَجَرًا حَجَرًا أمام مرأى أم سليم، فأيقنت أنَّ بيتها الذي عاشت فيه مع زوجها المتوفَّى، ومع أولادها الاثني عشر أكثرَ من خمس وعشرين سنة، ولم يتركوه حتى عندما احتل اليهودُ القدس سنة 1948، بل صمدوا فيه، ولم يرضوا بتركه، حتى وإن عاشوا تحت الاحتلال - أيقنت بتصدُّعه وهدمه.
ولأن كل هذه الأفكار هجمت على بالِ أم سليم، فما كان منها إلاَّ أن هجمت على اليهود، الأمرُ الذي فاجأ الجميعَ، سواء الجنود أم أولادها أم بنيامين هو الآخر، وبدأت تقاومهم بيدها، وتُحاول إبعادَهم عن بيتها وكأنَّها أسدٌ، وقد نسيت أنَّها امرأة لا تقدر على مُواجهة كل هؤلاء الجنود، ولكنَّ الأَلَم والظلم جعل منها رجلاً لا امرأة، إلاَّ أنَّ هذا الفعل أغضب اليهودَ، وبدؤوا يضربونها دون أدنى مراعاة لكونها امرأة، فعند اليهود لا وجودَ لخلق الرِّفق مع المرأة ومعاملتها معاملة خاصة.
بل هاجموها وكأنها شاب قوي لا يُقاوم، ولكن أم سليم لم تستسلم، بل بصقت في وجهِ الجندي، الذي يُهاجِمُها، وظلت تدفعه هو وغيره، ولكنَّ هذا الجنديَّ شَعَرَ أنَّ كبرياءَه كيهودي قد أصيبَ بمقتل، فأصبحَ يضربُها بعصا معه، كانت مُجهزة؛ ليستعملها الجندي لمن يقاومه من الرِّجال، ولكنها صارت من نصيب أم سليم، وهذا ما أثار سالم وبعض إخوته الكبار، كما أثار بنيامين، فهجموا على اليهود، وأصبحوا يضربونهم، ويبعدونهم عن أم سليم، وكان بنيامين قتاله مدهشًا للجميع، فلم يكن متوقعًا من أحد.
ولكن ذلك لم يكن غريبًا للعائلة وللجنود فقط، بل لبنيامين نفسه، فهذه أول مرة يُدافِع عن شخصٍ، ولكن هذا المعنى كان غائبًا عنه في المواجهة؛ حيث كان كل ما يهمه ساعتَها هو أم سليم، هذه الأم الحنون، التي رمزت بالنسبة له لكل أم حنون ذات قلب واسع، حتى ولو لم يكن هذا له، ولكنه رآه في تعامُلها مع أبنائها، وأبناء جيرانها، ولم تستمر المواجهةُ كثيرًا؛ بسبب اعتقال الإخوة وبنيامين، ووضعهم بمكان جانبي؛ لينظروا إلى عمل سيقوم به الجندي الذي بصقت عليه أم سليم.
بينما كان الشُّبَّان مقيدين لا حَرَاكَ لهم، أطْلَقَ هذا الجنديُّ المتعجرف رَصاصَه على أم سليم، فوقعت على الأرض، وأراد أولادُها أنْ يعملوا شيئًا، ولكن من غير فائدة؛ بسبب قيودهم، أما بنيامين فكأنَّ شيئًا ثَمينًا أُصِيبَ أمام عينيه، فكان قتل هذه المرأة المصيبةَ الثانية في حياته بعد مَقتل أخته سارة، ولكن المصيبة والإجرام لم ينتهِ، فظَلَّ بأم سليم نَفَسٌ، ولذلك أمر هذا الجندي بعضَ من معه؛ ليجرَّها أمامَ كل مَن حاول أن يقولَ له: لا.
وهكذا صار بعضُ الجنود يسحبون أم سليم، ويَجرونها على الأرض، وهي بأنفاسها الأخيرة، والجنود يضحكون، والشبان ينظرون بأَلَمٍ لا يُمكن أن يقاسَ أو يوصف بوصف، ولكنَّ الله رحم تلك المرأة المسكينة، فأخرج نفسَها الأخير، وفاضت روحها وهي تكبر الله دون يأس، أو خنوع، وسيق الشبان إلى الأَسْرِ، وأمَّا أم سليم، فقد واراها جيرانُها في الثرى، وضَمُّوا أبناءَها الصغار إلى أبنائهم حتى يخرج الإخوة الكبار.
كان اعتقال بنيامين من أكثر الأمور التي استغربها ولم يتوقعها، فكيف يعقل أن يُعتقل اليهودي ويهان؛ لمجرد أنَّه أراد أن يمارس حَقَّه في الحرية والتضامُن مع أحد الأُسَر؟! فقد كان هذا رأيه، ويعتقد أنَّ هذا الأَمْرَ هو حرية شخصية له.
سمع الأبوان باعتقال ابنهما، وعرفا القصةَ كلها، الأمرُ الذي أثار انزعاجهما، فكيف يتضامَن ابنهما مع عرب ومُسلمين، والأمر الذي أزعجهما أكثر أنَّ الذي حصل بمثابة تعاطُف ابنهما مع أصله، وتأثُّره بالعرب يعني أنَّه يُمكن أنْ يُصْبِحَ هذا عملاً دائمًا له، ويساعده على ذلك فطرته، التي تقول له: إنَّك عربي ومُسلم، فكان هذا الحديث يزعج أفخاي وإلين كثيرًا، ولا يَفتحانِه مَرَّة إلاَّ وانتهى بقتالهما؛ بسبب لومهما لبعض، فهو يلومها على تبنِّيه أصلاً، وهي تلومه؛ لأنه لم يُحسن تربيتَه جيدًا، بل تركها وحْدَها، وتَخَلَّى عنها، وهكذا دائمًا.
تَعَرَّضَ بنيامين لإساءاتٍ كانت كبيرة بالنسبة له، مع أنَّها لم تتعدَّ أكثرَ من الشتائم، واتهامه بالتعامُل مع الأعداء والذين هم العرب طبعًا، ولكن ما أزعج بنيامين أشدَّ الإزعاج هو مُحاولة أحد المحقِّقين الاستيلاءَ على قلادته العزيزة، وحاولَ بكُلِّ الطرق، سواء الترغيب أم الترهيب؛ ليستولِيَ عليها، ولكنَّ بنيامين هدَّده: إنْ عاد لِمُحاولاتِه، سيضره في عمله، وعرَّفه بنفسه، وأنه ابنُ أحد كبار رجال الأعمال في القُدس؛ ولهذا لديه القدرة على إيذائه، ولذلك خاف هذا المحقق، ولم يَعُد يطلُب منه القلادة.
وفي إحدى الليالي تقرر فجأة حبسُ بنيامين منفردًا، فتفاجأ جِدًّا من هذا العمل، مع أنَّه ارتاح بفصلِه وَحْدَه، فقد كان يشعر بأنَّه مُهان؛ لسكنه في زنزانة واحدة مع المجرمين والقتلة، وكأنَّه مُجرمٌ، وفي الليل دخل الحارسُ على بنيامين بعد نومه خلسة، وبخُطا هادئة، وأراد أن يسرقَ القلادة بأمرٍ من ذاك المحقق.
وحاول الحارسُ أن يأخذَ القلادةَ، ولكنَّه علم أنَّه شيءٌ صعب، فكيف سيقترب منه، ويفكها وهي في رقبته؛ ولذا قَرَّر أنْ يتراجعَ عن فعله، ولكنَّه تذكر وعدَ ذلك المحقق له بمبلغ لم يَحلُم به من قبل؛ ولذلك عاد للمُحاولة آملاً بأن يكونَ نومُ بنيامين ثقيلاً، فاقترب منه، وحاول فَكَّها، وفعلاً فُكَّتْ معه، وكانت سعادته كبيرة، فالآن أصبح المالُ أكثرَ قربًا منه، ولكنَّ أحلامَه تبدَّدت خلال ثوانٍ؛ لأنَّ بنيامين شعر به، وشَدَّ قلادتَه بسُرعة من ذلك الحارس الطامع بالمال، ولكن من عظم شَدِّه للقلادة أوقعها على الأرض، فنَسِيَ أنه عليه أن يقاتلَ ذلك الحارس؛ لأنَّه انشغلَ برفع قلادتِه من الأرض، ولَمَّا صارت في يده، واطمأَنَّ قلبه، أراد ذلك الحارس لمحاسبته على فعلته التي يعدُّها بنيامين وكأنها استهدافٌ لحياته، ولكن الحارس كان قد هرب، وأغلق الباب وراءه، فلم يستطعْ بنيامين أنْ يفعلَ شيئًا؛ ولذلك أجَّل المحاسبةَ إلى اليوم التالي.
جلس بنيامين وهو يضُمُّ القلادةَ إلى صدره، وكأنَّها حبيبٌ كاد يفارقه، ثُمَّ عاد إليها، وبدأ يتأملها، ولكنه بعد نظره الطويل لها رأى شيئًا ضيَّق صدره وأزعجه أيَّما إزعاج، فقد اكتشف أنَّ قلادتَه كسرت؛ بسَبَبِ جذبِها من ذاك الحارس البغيض، ولم يدرِ ماذا يعمل، فقام وبدأ يصرخُ مكلِّمًا هؤلاء الذين سجنوه، وسبَّبوا له هذه المصيبة العظيمة، وأصبح يقول بغضب: أيُّها الكلاب، أنتم كلاب أنجاس، أنا أكرهكم أيها الجنود والحُرَّاس، وظل يصرخُ إلى أنْ جاءه تهديدٌ من أحدِ الحراس، فجلس يائسًا حزينًا على قلادته ينظر إليها بِكُلِّ أَسًى.
ولكنه وهو يتفحصها اكتشفَ أنَّ هذا الكسر ليس بكسرٍ، بل وكأنَّ قلادته تفتح، فأراد فتحَها، ففتحت فانقلبَ حزنه إلى سَعادة، فهذا زاد القلادةَ جمالاً على جمال، ولكن ما أوقف مشاعر الاغتباط والسعادة لديه هو انتباهه إلى النَّقش، الذي في القلادة، والذي يُعطيها جمالاً؛ لكونه بخط رائع لَم يَمر على بنيامين، ولكنَّه لم يفهم النقشَ، وبعد تفكير لوقتٍ مُعين أيقن أنَّ هذا النقشَ هو باللغة العربية، فهو تعرَّف على طريقةِ كتابة الكلمات العربية عندما كان له علاقة بماري، وبعلاقته مع سالم أيضًا.
فعلى الرَّغم من اضطرارهما للكتابة بالعبرية، ولكنَّه كان كثيرًا ما يرى لهما كتاباتٍ بالعربية، فكان هذا الأمرُ غريبًا بالنسبة له، وتساءل عن السببِ الذي يَجعل أُمَّه تشتري له قلادة فيها نقشٌ عربي، وعزم على أنْ يسألَها، ولكن هذا العزم لم يَمنعه من أن يبحثَ عن اللغز بنفسه طوالَ الليل، وفي النِّهاية شكَّ أنْ تكونَ هذه القلادة لعربي، وأمه اشترتها بالصدفة، ولم تعرف بالنقش، ثُمَّ أغلقها وأعادها لِمَا كانت عليه ونام.
في الصباح اشتكى بنيامينُ المحققَ والحارس؛ لعلمه أنَّ الحارسَ مكلف من المحقق، وفعلاً قامت الشرطةُ بمحاسبتهما؛ مِمَّا أسعدَ بنيامين الذي لم يَمضِ يومان آخران حتى خرج من السجن بنفوذ أبيه وماله، كما عمل بنيامين على إخراج سالم وإخوته، ولكن بشرط ترحيلهما إلى القُدس الشرقية، التي لم تَعُد تختلف عن الغربية بعد احتلالها، وفعلاً وافق سالِمٌ على الخروج، ونقل دراسَتَه إلى القدس الشرقية، وقبل رحيله بيومٍ زاره بنيامين، فشكره سالِمٌ على كل ما عمل من أجله، وقال له: إنَّك فعلاً لستَ كاليهود؛ لأنَّك حفظت المعروف.
كما قال له: إنَّه يُقدِّر كلَّ أعماله، خاصَّة سجنه لمدة أسبوع من أجلهم، فرد عليه بنيامين بألم: هل يا سالم إلى هذا الحد مقتنعون باستحالة عملِ الخير من اليهود؟ صدقني، إنِّي لم أرضَ عن كل ما حدث، ومقتل أم سليم كان بمثابة قَتْلِي، فلم أصب في حياتي مثل هذا المصاب، ربَّما لن تصدقني، ولكني كنت أحبُّ أمَّك يا سالم، وكنت أرتاح لرُؤيتها، وكأنها أمٌّ لي.
وعندما قتلت شعرت بأنَّ قلبي أصيب، فإذا بدُموعه تسقُط على خَدِّه، وللمرة الثانية يرى سالم دموعَ بنيامين، وقد أصبح يُدرك أنَّ بنيامين فيه شيء - وإن قَلَّ - من الإنسانية، التي لم يكن يتوقعها من يهودي، وهنا قال له: يا بنيامين، أنا أقدِّر لك مشاعرك، وأدرك أنَّ فيك شيئًا من الاختلاف، ولكن أنت أيضًا عليك تقدير موقفي، فالذي جرى لي سيجعلني إلى مَماتي أكرهُ اليهودَ، وأكره ظلمَهم.
ويا بنيامين، نَحن المسلمين لا نقاتل إلاَّ مَن قاتلنا، هل رأيت مسلمًا يقتل يهوديًّا خارجَ فلسطين، فباعتقادك لماذا؟ ليس لشيء إلاَّ لأنَّنا لا نقاتل إلاَّ من اعتدى علينا، وجاء مغتصبًا لأرضنا.
• سالم أنا قررت قرارًا لم أخبر به أحدًا، وأنت أول من يعرف، وهو قراري بالعودة إلى أمريكا؛ لأكملَ دراستي هناك، فأنا أهِنت ببلدي، فقاطعه سالم وقال: ليس بلدك يا بنيامين، احفظ هذا جيدًا، ليست بلدك شئتَ أم أبيتَ، فأكمل بنيامين كلامَه دون أن يعلق على كلام سالم: سأذهب إلى أمريكا، فهناك راحتي، وسأكمل دراستي، وأصبحُ صحفيًّا؛ لأعملَ هناك، وليس هنا، فلم أعد أطيق العيش هنا.
• لأنَّك أيقنت بظلم قيادتك وحكومتك؛ ولذا فأنا سعيدٌ بأنْ تتخذَ موقفًا كهذا، وأتمنى من اليهود كافة أن ينهجوا نَهجك.
• لن يتركَ اليهود وطنهم؛ لأنَّه يقدم لهم صنوفَ الرفاهية، وهذا ما يهمهم... ولكني أريد أنْ أحكيَ لك شيئًا حدث لي، لولاه لكنت صدقتك، وقلت: هذا ليس وطني، وأحكي لك؛ لأنَّك دومًا كنت تُكلمني عن دينك، وربك، ومشاعرك الإيمانية التي تَهتمون بها كثيرًا، ولذا فإمَّا أن تقتنعَ بكلامي، وإما أن ألغي كلَّ كلامك عن الإيمان والتدين.
• وما هذا الأمر؟
• لقد زُرت حائطَ "المبكي"، وشعرت بقُربٍ من الرب، مع عدم تديُّني، ولكني وبدخولي لهذا المكان شعرت بالطَّمأنينة والسكينة، التي لم أشعر بها من قبل.
• وما علاقتي أنا؟ ولِمَ تكلمني عن هذا، وعمومًا هذا حائط البُراق، وليس المبكي كما تدعي.
• هذا هو دليل صدقنا، فأنت دائمًا تتكلم عن الإحساس والمشاعر والإيمان، ومن هذه السكينة تأكَّدت أنَّ هذا المكان هو هيكل سليمان، وإن لم يكن كذلك، فلِمَ شعرت بالراحة إذًا؟ فضحك سالم كثيرًا متعجبًا من قوله، فسأله عن سبب ضحكه.
• هل زرت مسجدًا من قبل؟
• لا.
• إذًا انتهى الأمر، وعرفت ما السبب؟
• ماذا تقصد؟
• أقصد هذه السكينة هي بسببِ دُخولك المسجدَ الأقصى، وليس هيكل سليمان كما تزعم، وهل تصدق أنْ يقبل أحدٌ بهذا الدليل؛ لِمُجرد ارتياحك، فهذا يعني أنه هيكل سليمان.
• أنا قلت: إنَّ عليك فهمي، فهذا دليلٌ لي وشعور، وأنت مَن علمتني أنْ لا أكونَ ماديًّا، وأنَّ المشاعر يحسُّ بها الإنسان، ثُم كيف أشعر بسكينة؛ بسبب دخول مسجد وأنا يهودي، ولست مسلمًا.
• لأنَّ المسجدَ له سكونه، وراحته، ووقاره، وأنت أولُ مرةٍ تدخل المسجد، وأي مسجد؟! فهو المسجد الأقصى، ثالث المساجد المقدَّسة لدينا، رُبَّما استشعرت أنَّ هذا مسجدُ المسلمين؛ ولذلك شعرتَ بمشاعر مُعينة، وأنت ظننتَ أنَّها سكينة، ولِمَ لا تكون خوفًا؛ يعني: كعادتكم أنَّكم تَخافون من المسلمين؛ لأنَّكم تعلمون أنَّكم ظلمة؛ ولذا حاولت مُقاومة مشاعر الخوف بهذه السكينة المفتعلة.
• (أوه) يا إلهي، كل هذه التفسيرات؛ لتقول لي: إنَّه ليس هيكلَ سليمان.
• أقول لك كلمةً واحدة، وهي أنَّ كلَّ كلامِك وكلام أسيادك لن يُزوِّر التاريخَ، ولن يُزوِّرَ القرآن الكريم المحفوظ، ولا ريب فيه، ولن تقنعونا بأنَّ هذا المسجد هو هيكل سليمان؛ لأن الحقائق لدينا، وليس لديكم، ولأنَّ كل منصف لو عرفَ بقِصَّةِ المسجد الأقصى، لعَلِمَ، ولاعترف بحق المسلمين به.
فهذا المسجد بُنِيَ بعد المسجد الحرام، الذي بناه سيدنا آدم أبو البشر بأربعين سنة؛ يعني: هو من أوائل المساجد، التي بُنِيَت على الأرض، وبعد أن تنَقَّل بين الإمبراطوريات عاد وفتحه سيدُنا عمر بن الخطاب - رضوان الله عليه - في أوائل البَعثة؛ يعني: من أكثرَ من ألف سنة، فهل تقنعني بهذه المشاعر أنَّ هذا المسجد لكم؛ لِمُجرد احتلالكم له منذ أيام قليلة، ثُمَّ لأقول لك حتى وإن كنت شعرت، فكما قلت سابقًا: هي سكينة المسجد الأقصى، لا سكينة سيطرتكم عليه بظلمكم وإفسادكم.
هنا سكت بنيامين، ولم يرد بكلمة، وبعد صمتٍ طويل ترك بنيامين هذا الموضوع، وطلب من سالم أنْ يذهبَ معه إلى أمريكا؛ ليدرسَ هناك، فاستغرب سالم ذلك، وقال: إن ذلك هو المستحيل بعينه، وخاصَّة أنه العائل لأسرته بعد موت أمه، وأسر أخيه، فحزن بنيامين؛ لأنه كان يرى في سالم الصديقَ الوحيد، الذي يَثِقُ به، وهنا قال له: أريد أن أقول كلمةً قبل أن نفترق: أنا فعلاً أحببتك، وأحببت عائلتك وأمَّك أم سليم، وكم كنت أتمنى أن أقتربَ منكم أكثرَ، ولكن اختلافنا الحتمي وقف حائلاً دون ذلك! ولكن أرجو أن تَثِقَ بي كصديق لك.
• أقدر شعورك، وكنت فعلاً على قَدْرِ المسؤولية، واعذرني إنْ لم أقدر أن أكونَ معك كما ينبغي، ولكن بمجرد كونك يهوديًّا، وتحمل الهُوِيَّة الإسرائيلية، فكان ذلك يزعجني.
• ولكن الآن أَتركُ وطني، وأعود إلى أمريكا.
• ولكنك ستبقى تَحمل هويتك، ورضيت بأن يكون وطني هو وطنك رغمًا عنا جميعًا.
• هذا الجدل لن ينتهيَ؛ ولذلك لنتركه للزمن؛ ليقرر، والآن أستأذن، فودعا بعضهما، وافترقا وفي طريقِ العودة تذكَّر بنيامين النقشَ العربي، فلامَ نفسَه على نسيان الأمر، وكيف لم يسأله عن ترجمته، ولكن سرعان ما غَيَّر رأيه، وقال: تريث يا بنيامين؛ لترى مَن تَثِق به غايةَ الثقة؛ حتى يترجم لك دون أنْ يكونَ على صلة وثيقة بك.
ولكنَّ موضوع النقش ظلَّ يشغل باله، فقرَّر أن يسألَ أمه عن هذا النقش، ولِمَ لَم تخبره بأنَّ القلادة تفتح؟ فهي أقدر الناسِ على إجابته على هذه الأسئلة، وفعلاً فتح الموضوع معها، وهما يَجلسان أمام التِّلفاز، وحكى لها عما حدث له في السجن، وكيف أنَّ القلادة كادت أن تسرقَ لولا تنبُّهه في آخر لحظة، فردَّت إلين: رائع أنَّها لم تسرق، عندها رُبَّما تُجَنُّ.
فشعر بنيامين من رَدِّها بنوع من السخرية، وانتبه أكثر؛ لعدم اكتراثها بالقلادة، فكان لذلك أثرُه المؤلم عليه، وزادت تساؤلاته لنفسه عن سببِ ذلك الذي بات يظهر أكثر وأكثر، ولكنَّه حاول تَجاهُل تلك الأفكار، وتابع كلامه: كما حدث يا أمي أمرٌ غريب معي، ولكنَّ رنين الهاتف أوقفه عن الكلام، فقامت أمه؛ لترى مَن، فإذا بصديقتها تكلمها، فجلست تحدثها، وتابع بنيامين أفكاره، وقال لنفسه: كيف تخبرها بهذا الأمر؟ ومَن قال: إنَّها تعلم عنه شيئًا؟
ثُمَّ ما يُدريك إن علمت أن لا تقف في وجه هذه القلادة، وتُحاول إبعادَك عنها، ثُمَّ تساءل متعجبًا: أيعقل أنَّها تغار عليَّ من هذه القلادة؟ ولكنَّه سخر من نفسه لهذا التفكير، وقال: وهل تغار الأمُّ على ولدها، وهنا أنْهَت الأُمُّ مكالمتها، وعادت لتسألَ ابنهَا عن الشيء الغريب، الذي كان سيُحدثها عنه، فرد: لا شيء، كنت أريد فقط أنْ أقولَ: إنَّ القلادة كادت أنْ تكسَر عندما جذبتها من الحارس، فردَّت بتأفُّف: يا بُنَيَّ، ما بك؟ قلت لي: إنَّك ستحدثني بموضوع مُهِم، فأقلقتني، فإذا بك تتحدث عن القلادة... وكادت تسرق... وكانت ستكسر... هل أذهبت عقلك تلك القلادة؟ فلم يهتمَّ بكلامها، وتَرَكَها، ودخل غرفته، وهو على قناعةٍ أنَّ هذه القلادة لَم تَعُد مُجردَ قلادةٍ غالية على قلبه، بل أصبحت لغزًا أخذ عهدًا على نفسه أن يحله.
اتَّخذ بنيامين قرارَه بالعودة إلى أمريكا بشَكْلٍ نِهائي، وعزم على ترك ما يعتقده وطنًا له، وبدأ يعمل إجراءاتِه لذلك، وأخبر والديه بقراره، فتفاجأا ولاماه على ذلك، وقالا: إنَّ سجنه لا يُعطيه المبررَ لهذا العمل، ولترك وطنه، فهذه الحادثة صحيح حادثة مُؤلمة، لكنها انتهت، ولكنَّه أصَرَّ على ذلك، وقال لهما: إنَّ الأسبابَ كثيرة، من ضمنها قتلُ سارة، فكيف يُمكن لأيِّ دولة أنْ تقتلَ أبناءها لمجرد أنهم مارسوا حريتَهم الشخصية، وفي النهاية ليتَ أن الجندي أخذ جزاءه، بل اعتُبِر فعلُه قتلاً خطأً في أثناء أعمال شَغَبٍ، وأخبرهم أنَّه بدأ فعلاً في عمل الإجراءات، ووجد صعوبةً في سيرها بدايةً؛ لأَنَّ العام الدراسي قد بدأ منذ فترة، ولكنَّ اليهوديَّ لا يصعب عليه شيء، فله كل الحقوق؛ ولهذا نجح في إتمامها.
عاد بنيامين إلى أمريكا، وانتسب إلى أحدِ جامعاتِها، ولَمْ تَمضِ إلاَّ أسابيع قليلة حتى استقر، وبدأ الدِّراسة بشكلٍ جدي، وخلال هذه السنة تَعرَّف على أحد الصحفيين، الذين يعملون في صحيفةٍ صغيرة، وعن طريقه عرَّف بنيامين الصحيفةَ ببعض مقالاتِه، التي أعجبتهم، فقبلوه بينهم؛ ليعملَ معهم، فكان ذلك مُسعِدًا له رَغْمَ عدم شُهرتِها، ولكنَّه اعتبرها مرحلةً تدريبية في طريقِ الصَّحافة، آملاً أنْ يأتيَ اليوم الذي يستطيع فيه أنْ يُثبت نَجاحه، ويُحقق حُلمه في أن يكونَ مراسلاً، فالكتابة على الرغم من مَحبته لها، إلاَّ أنَّها كانت في مَرتبة ثانية بعد المراسلة.
وبين الدِّراسة والعمل أمضى بنيامين سنته الثانية والأولى له في أمريكا، ولما جاءت العطلة، عاد للقدس مُشتاقًا لها ولأهله بعد هذا الغياب، ولكنَّه فوجئ بنيةِ أهله على الانتقال إلى تل أبيب، وهذا بعد أنْ ماتت سارة أصبح مُمكِنًا؛ لأن أفخاي عاش في القُدس من أجل ابنته، فالآن وبعد مَوتِها، فلَم يَعُد له عذرٌ لبقائه فيها، خاصَّة أنَّ إلين زادت من طلبها له في الانتقال، بعد كشفها أنَّ سارة كانت السبب.
فلَمَّا ماتت لم يَعُد له العذر، فكان ذلك مُزعجًا لبنيامين؛ لأنَّه سيترك القدسَ، ولكن معرفته بتميُّز تل أبيب، وكونها عاصمةً لبلده، وخاصَّة أنَّه يريد العمل بالصَّحافة، ويتطلب ذلك وجُوده هناك، تَقَبَّل الأمر، وفعلاً ذهبت العائلة إلى تل أبيب، فكانت سعادةُ أفخاي وإلين كبيرةً جِدًّا، فهذا كان حلمهما، ولكن بنيامين تفاجأَ بشعوره لما دخلها، فضاق صَدرُه، وشعر بكآبة، ولم يحب هذه المدينة قطُّ، رَغْمَ ما فيها من تطوُّر وخدمات، ولم يسعد بها طوال الأيام، التي بَقِي فيها هناك.
وقبل أن يعودَ إلى أمريكا بأسبوع، جَهَّزَ نفسه؛ ليزورَ القدسَ مِمَّا أثار استغراب والديه، فلِمَ يعود إلى هناك، فتل أبيب أصبحت بلدَهم النهائي، فأخبرهم أنَّه يريد أن يلتقيَ هو وبعض أصدقائه، ويزور حائط "المبكي"، فردت أمه: حائط "المبكي"! ولِمَ تذهب إليه؟
• أريد زيارته فحسب، أليس هناك هيكل سليمان؟!
• وهل ترغب في أنْ تكونَ حاخامًا، أو من المتدينين المتطرفين؟
• وهل هؤلاء هم فقط من يَزورونه؟!
تنهَّدت الأمُّ، ثُمَّ قالت: أنا لا أحبُّ أن يهتمَّ ابني بهذه الأمور؛ يعني: لتكن عَلمانِيًّا أفضل.
• ألَم تُعلميني أنت هذا التديُّن، وأنت نفسُك مَن وضعتِني بمدرسة يهودية، وأنت مَن أرادت أن نزورَ الحائط بعد أنِ استعدناه من أعدائنا العرب؟
• هذا بداية فقط؛ لأُعلِّمك التعاليم الدينية المهمة؛ يعني: لمجرد أن تكون يهوديًّا، وذهبنا إلى الحائط؛ لتتعرَّف على الهيكل فحسب، ولكن الآن فلَمْ يَعُد داعٍ لذلك، ثُمَّ قل لي: أأنت تدخل المعبد؟ لا، فلِمَ أحببت حائط "المبكي" بالذات، فهو كأي معبد.
• على كُلٍّ، أنا سأسافر؛ لأرى أصدقائي، ولا داعِيَ لكلِّ هذا النقاش.
هنا تَكلَّم أفخاي الذي لم يشاركهما في نقاشهما: دعيه، فهو مَجبول على التخلُّف والتديُّن، فلم يفهمْ بنيامين ما قصد أبوه، ولِمَ يكلمه بهذه الألفاظ القاسية؟ فسأله:لم أفهم قَصدَك يا أبي، ولِمَ هذه الألفاظ غير اللائقة؟ كل هذا لأني أريد زيارة حائط "المبكي"، فردت إلين، وقد فهمت ما لمح إليه زوجُها: دعك من أبيك، فهو لم يكن مُتدينًا من قبل قطُّ، وهذا التديُّن تعلمته مني أنا؛ لأنِّي أهتم بالتدين نوعًا ما، فضحك بنيامين، وقال: نوعًا ما! هل هي مرتبة من مراتب التديُّن؟ على كُلٍّ، أنا لست مُتديِّنًا، ولكني أردت زيارتَه فحسب، والآن فأنا سئمت الجدالَ، وأذهب لأكمل تجهيزَ نفسي، فلما ذهب صرخت إلين في وجه زوجها: ما بك؟ ما هذا الغباء؟! وهل تريد أن تخبره عن أصله؟
• لقد سئمته، وكلما كبر صرت أشعرُ بأنه ليس يهوديًّا، ويعيش بيننا بلا سبب.
• ما هذا الهراء؟ أجننت؟ بنيامين ابننا وهو يهودي.
• إذًا اتركيه يذهب إلى حائط البُراق، كما يسمونه الذين ينتمي إليهم ابنك، فهو إنَّما يذهب إلى المسجدِ الأقصى عندهم، وعند ابنك أيضًا، ولا يذهب لحائط "المبكي".
• تبًّا لك ولكلامك، إن ما تنطق به هو الكذب، إنَّه ابني وأعرفه، وهو أحبَّ حائط "المبكي"؛ لأنَّه هيكل سليمان، ولأنه يهودي بكلِّ معنى الكلمة.
• كما تريدين، ولكن أذكرك بأنَّك ومن لحظات سألته: لِمَ لا يدخل للمعابد ويدخل حائط "المبكي" فقط، فأنا لم أجادل حمقاء مثلك لم ترضَ إلاَّ بطفل مسلم تأتي به إلى "إسرائيل".
طبعًا هذا الكلام أزعج إلين، وأخافها، ولكن ماذا بيدها لتعمله، فاستسلمت لِمَا تخبئه الأيام لها.
دخل بنيامين المسجدَ الأقصى من الناحية، التي يدخل منها اليهود، وكأنه يدخل أجملَ مكان بالنسبة له، فهو أحبَّ هذا المكان، وكان أليفًا له، مع جهله بسبب ذلك، ولكنه كان يفسر شعورَه بأنه هيكل سليمان، وفي هذه المرة أصبح أكثرَ اهتمامًا بالمسلمين، وصار يراقبهم وهو في مكانِه، وكيف هم في شُغل دائم بين صلاة، وقراءة قرآن، ودعاء.
ثم اقترب إلى حائط البُراق الذي يسميه "المبكي"، وصلى صلاتَه اليهودية، ثم عاد لمراقبة المسلمين طوالَ يومه هذا، فكان يستمع لأذانهم الجميل، ويشعر برهبة عند سماعه، ثُمَّ ينظر إلى المصلين الذين منذ قليل كانوا يُصلُّون فُرادى، فإذا بهم الآن يَجتمعون صَفًّا واحدًا وراء إمام واحد يفعلون الحركاتِ نفسَها، ويركعون ويسجدون جميعًا مُؤتمين بذلك الإمام.
فكانت المرة الأولى التي يرى فيها صلاة المسلمين، فكان لَها أثر في نفسه، وتساءل: هل هؤلاء يَختلفون أو يُبغضون بعضَهم بعد هذه الصَّلاة الموحدة والتراص فيها، وإن كانوا فعلاً يَختلفون، فهم لم يفقهوا معناها حَقًّا، ولَمَّا جاءت صلاة المغرب، فُوجِئ بنيامين بالإمام يَجهر بصَوتِه في قراءة القرآن، فسمع القرآن مَرَّة أخرى بعد فترة طويلة لَم يسمعْه فيها، فانشرح صدره، وتذكر بيت أم سليم، تلك المرأة التي لفظت أنفاسَها الأخيرة والشرطي اليهودي يَجرها أمام عينه، وتذكَّر عائلتها، وبدأ يستعيد من ذاكرته كُلَّ ما حدث معه، فشعر بضيق كبير لم يخرج منه إلاَّ حينما سمع القرآن من جديد؛ حيث أتت الصلاة الجهرية الأخرى، وهي صلاة العشاء، فعاد انشراح صدره إليه.
ولأنه تذكر عائلة أمَّ سليم، وأنَّهم رُحِّلوا إلى القدس الشرقية؛ حيث هو الآن، فلذلك قَرَّر أنْ يُحاول أن يرى سالِمًا قبل سفره، ولكنه وجد ذلك صعبًا، فالجامعة في عُطلة وهو لا يعلم عُنوانَ بيته، ولكنه تذكر أنَّ الغدَ هو يوم جمعة، وكما أخبره سالم أنَّ فيها صلاة مهمة لهم، وكون المسجد الأقصى مقدسًا عندهم، فلن يُصلي في غيره، فقَرَّر أن يُحاول رُؤيته بأن ينتظره، ولكن كيف سيراه بين الجموع الكبيرة، التي تأتي وتُصلي، إلاَّ أنَّه لن يستسلمَ، خاصَّةً أنَّ سالِمًا يأتي مبكرًا للصلاة، وعرف بذلك حينَ اعتذر عن لقائه في صباح أحدِ أيام الجمعة، مُبَرِّرًا ذلك بأنه يكون ساعَتَها في المسجد، فبقيت في باله، فقَرَّر المحاولة.
ولذلك عزم بنيامين أنْ يأتِيَ مُبكرًا قبل حدوث الزحام؛ لعله ينجح، وهذا ما فعله، وظل يرقب أكثرَ الأبواب، التي يدخل منها المسلمون، وهو كذلك حدث ما كان يُحِب، وفعلاً رأى سالِمًا، فطار فرحًا وكأنه يرى إنسانًا قريبًا وحبيبًا عليه، واقترب منه وسَلَّم عليه، فتعجب سالم لما رآه، وزاد استغرابه لَمَّا عرف أنَّه منذ زمن وهو ينتظره، فلم يتخيل عظمَ اهتمام بنيامين به، ولِمَ كل هذا الاهتمام والشوق الذي يظهر عليه؟ وكأنَّ سالِمًا يمثل لبنيامين شيئًا يبحث عنه، وكأنَّه كان الأمل له؛ لِيَصِلَ إلى غايةٍ يُريدها، وعلى كل حال حدث اللِّقاء، وتكلما طويلاً عن أخبارهما، ثم اتَّخذا موعدًا؛ ليكملا الحديث، عندما اقتربت صلاة الجمعة.
انتهت الصلاة، وذهب الشابَّان إلى بيت سالم، وبعد الغداء جلسا يتكلمان، فسأل بنيامين سالِمًا عن عيشته في القُدس، فرَدَّ سالِمٌ بألم: القدس الشرقية لم تَعُد تختلف عن الغربية مطلقًا، فهما مُحتلتان، فحالنا الآن في الشرقية بعد عُدوان 1967م، كحالنا سابقًا في الغربية، وكحال جميع إخواننا في أنحاء فلسطين، ففلسطين كلها مُحتلة اليوم، فكل يوم اعتقال، وهدم بيوت، وقتل، وهذا المسجد الأقصى بات معكم أيُّها اليهود، فمنذ متى كان يسمح لليهود ليدخلوا الأقصى، ولكن كما دخلت أنت يدخل أبناءُ شعبك، وأصبح أمرًا عادِيًّا دخولُكم ووقوفكم عند حائط البُراق، هذا الحائط الذي أسند نبينا r دابته التي حملته إلى المسجد الأقصى إليه، والآن تدَّعون أنه لكم.
• هذا ليس مسجدكم، بل هنا هيكل سليمان، وعلينا أن نستعيده، ونعيد بناءه، أمَّا عن الاعتقالات، والهدم، والقتل، فهذا لم أعدْ أرضى به.
• لو كنت منصفًا، لَمَا رضيت أن تكونَ إسرائيلِيًّا، ولا تكلمت بكلامهم.
• بل لأني مُنصف أتكلَّم ضِدَّ حكومتي وتَصرُّفاتِها، ولكن هذا لا يعني أنْ أتخلى عن معتقدي.
• هذا محل اختلافي معك.
• لنترك الخلافَ، ولأسألك عن دراستك وحالها، "هذه كانت طبيعة بنيامين، عندما لا يقدر على النِّقاش، يغيِّر الكلام بدعوى أنه لا يريد الخلاف".
• الحمد لله هي بأحسن حال، وأنا سأذهب إلى أمريكا بإذن الله في بَعثة؛ لأكمل تَخصُّصي هناك، فقد حصلت عليها؛ لتفوقي، وهذا ما يشعرني بالمسؤولية أكثر أمام بلدي، فسأذهب للدراسة، ثُمَّ أعود بحول الله لخدمة إخواني، وأعالج جرحى حروبكم الغبيَّة.
تفاجأ بنيامين بالخبر، ولكنَّه سُرَّ كثيرًا به، فصديقه الحبيب سيذهب معه، ويكون برفقته، خاصَّةً أنَّه عَلِمَ أنَّه في جامعته نفسها، فكان سالِمٌ الصديقَ الوحيد الذي يَثِقُ بنيامين به.
جَعَلَ بنيامين سفرَه مع سالم في الطائرة نفسها، وتَمنَّى لو يجلس معه في بيته، ولكنَّ سالِمًا لم يَرضَ، خاصَّة أن البيتَ موفَّر له مِن قِبَل البَعثة، والأهم من ذلك، فكيف يجلس في بيتِ يهودي يَحمل الهُوِيَّة الإسرائيلية.
كانت هذه السنة الرابعة لبنيامين في جامِعَتِه، وقد اعتادَ رُؤيةَ المحجبات؛ لوجودِهن بعددٍ لا بأسَ به في جامعته، ولكن كانت هناك فتاةٌ تلفت نظرَه لَمْ يَرَها من قبلُ، بل كانت السنة الأولى لرُؤيته لها، وكان الذي يلفتُ انتباهَه فيها زِيَّها الذي تلبسه، وطريقة حِجابِها، اللذين يُشبهان زِيَّ وطريقةَ حجاب تلك المرأة، التي كانت تأتيه في مَنامِه، غَيْرَ أنَّ تلك المرأة كانت كبيرةً في السن، وهذه صغيرة، فأثارت اهتمامه، وأصبح يُراقبها بشكلٍ مُتواصل، ويراقب تَصرُّفاتِها.
وفي إحدى الْمَرَّات التي كان يُراقبها فيها شَعَرَ أن وجهها مُصْفَرٌّ وكأنها متعبة، ثُمَّ قامت وكأنها تريد العودة إلى بيتها، فكانت تتمايل وتتأرجح وكأنَّها ستسقط على الأرض، وأراد أنْ يقومَ؛ ليُساعِدَها، ولكنَّه غَيَّر رأيه في آخر لحظة؛ خوفًا من أن يكونَ متوهِّمًا، وفجأة وهي تَمشي على هذه الحالة، فإذا بها تلقي بنفسها أمامَ سيارة، وهُيِّئَ له أنَّها تريد الانتحار، ولكنَّ السيارةَ لَم تكن مسرعة؛ لكونها في طريق الجامعة، فضربتها ضربةً بسيطة في جنبها، فسقطت على الأرض، ولكنَّ صاحِبَ السيارة بَدَلاً من أنْ يُسعفها هرب فارًّا بنفسه؛ خشية أن تكونَ قد ماتت.

فهرع بنيامين إليها؛ ليُنقذها، فوجدَها قد أُغْمِيَ عليها، فقلق جِدًّا عليها وكأنه يعرفها منذ سنين، وخاف أن يكونَ قد أصابَها مكروهٌ، وأسعفها بسيارته إلى أقربِ مُستشفى، ولكن في النِّهاية لم يكن ما أصابها إضافةً للضربة الخفيفة، إلاَّ (إنفلونزة) أثَّرت عليها، وأدَّت بها إلى حالة إغماء ودوران، وهي تريد قطع الطريقِ، فظهرت وكأنها تُلقي بنفسِها على السيارة، وهذا ما علمه بنيامين بداهةً حينَ عرف حالتَها، ولكنه أراد التأكُّد من كونها لم تُحاول الانتحارَ؛ حتى لا يكون لديه أدنى شك بذلك، خاصَّةً أنَّه عَرف عن طريق رحلته في التعرُّف على الإسلام أنَّ الانتحار عندهم حرام.
فلما سألها ذعرت، وقالت: أعوذ بالله، ألاَ تراني مُسلمة؟! فكيف أُلقي بنفسي إلى النار، وأعمل ما يُغضِب اللهَ؟! فرد عليها دون أن يُظهر نفسَه وأنَّه غير مسلم، ولا يدرك تَمامًا حجمَ تَحريم المسلمين لهذا العمل: أنا كنت مُتأكِّدًا من ذلك، وعلمتُ أنه بسببِ دَوار، ولكن كنت فقط أوَدُّ التأكد؛ لأَنَّ الانتحارَ كَثُرَ هذه الأيام؛ بسبب الضغوطات الشخصية والاجتماعية.
• حتى ولو وجدت الضغوطات، فكما تعرف، المسلمُ لا يُمكن أن ينتحر... وهنا دخل والدُ الفتاة، الذي اتصلوا به، فأتى لِيَطْمَئِنَّ على ابنته، ويكون معها، ثُمَّ شَكَر بنيامين على مَعروفه، وجلس الوالدُ يَتحدَّث مع بنيامين لفترة من الزمن، خَاصَّة أنَّه لَمَّا رآه شعر أنَّ هذا الشاب فيه شيء يَجعله مجذوبًا له؛ بسببه، ولكن لم يقدر أنْ يعرفَ ما هو؟ فأعجب الوالدُ به وبفِكْرِه، فأعطاه عنوانَ عملِه؛ ليزورَه في أيِّ وقت، فشكره بنيامين، واستأذن وخرج.
وبعد خروجه قال الأب لابنته: أرأيتِ يا مريم، كم هذا الشاب رائع بأفكاره وشهامته! فهذا شيء جيد أن تَرَيْ في أمريكا شخصًا يُسعفك، ولكن تعلمي يا مريم، أرى أنه مسلم، أليس كذلك؟!
• لا أدري يا أبي، فأنا لم أره إلاَّ الآن، فهو مَن أسعفني، ولَمَّا صَحَوْتُ، وجدته أمامي، فعلمت من الأطباء أنَّه جاء بي إلى المُستشفى بسَيَّارَتِه، ولا أعرف عنه شيئًا غير ذلك.
• ولكن أرى أنَّه على الأرجح مُسلمٌ، وعربيٌّ أيضًا.
• لا أظُنُّ ذلك، فلغته مَحلية، ولذا يظهر أنَّه أمريكي الأصل.
• لا، لا أظن ذلك، فرُبَّما هو مولود هنا، ولكنَّ أصلَه بحسبِ ظني عربي.
• وما الذي يَجعلُك مُتأكدًا بهذا الشكل؟
• من شكله، فهو يبدو عربِيًّا لا ريبَ في ذلك.
• على كُلٍّ، أيًّا كان أصله، فهذا لا يهمنا.
• وكيف لا يهمنا، فلو كان عربِيًّا، هذا يدفعنا لتعميقِ صِلَتِنا به، ونقدم لبعضنا العون.
• العرب هنا كثيرون، ولا دَاعِي لذلك، ولكن على كُلٍّ، فكما تشاء.
• حتى ولو كانوا كثيرين، فهذا لا يعني يا ابنتي أنْ نتخَلَّى عن بعضٍ، فنحن في بلادِ غُربة.
بقيت مريم إلى المساء في المستشفى، وخرجت مع أبيها.
كان تعرُّف بنيامين على مريم؛ بسبب الحادث - حُجَّةً له؛ ليسألَ عنها دائمًا، فصار من حينٍ لآخر يُكلمها، ويَقِفُ معها بِحُجَجٍ يَصطنِعُها، فأصبحت مريمُ تسعَد بهذه الحجج؛ لتراه هي أيضًا، ولكنها لم تكن تسمحُ له بأكثرَ من الضروري، وما أنْ تشعُر بأنَّه يريد الكلامَ لمجرد الكلام تستأذن وتتركه.
ولكنَّها مع مُرورِ الوَقْتِ بدأت تشعُر بأنَّ اهتمامَها به زاد، وبدأت تلوم نفسَها، فكيف تُفكِّر في شخص لا تعرف عنه شيئًا، ومن يكون؟ وما صفاتُه حتى اسمه لا تعرفه، فهي لم تَجرُؤ أن تسألَه عن اسمه، فكيف تسأل شابًّا عن اسمه؟! وليس لها عذر بهذا السُّؤال، فهي كانت تعُدُّ ذلك مُخالِفًا لدينها وأخلاقها، ليس لأنَّ سؤالَها مُحرم، ولكن لِما يُمثله ذلك السؤال، وما يَجرُّه من أحاديثَ جانبية، ليس لها داعٍ على حسب ما تقتنع، فكانت مُنزعجة من نفسها ومستغربة، كيف تهتم بمن لا تعرف، ولَم تره إلاَّ مَرَّات قليلة، ودقائق مَعدودة؟!
ولكن كل هذا الانزعاج وهذا الاستغراب لم يَكُن شيئًا عند الانزعاج والاستغراب اللذين حدثا لها لَمَّا سَمِعَت خبرًا من صديقتها ليلى، عندما سألتها: لِمَ تتكلم مع هذا الشاب؟ فردت مريم: إنَّها لا تتكلم معه، بل يأتي يسألُها عن أشياء معينة ويذهب، لا أكثر من ذلك، إضافةً إلى أنه يأتي لها بكُتُب تَهمُّها وتحتاجها، فهي لا تستطيع أن تحصلَ عليها، فهو أعلم بما يُفيدها باللغة الإنجليزية، فهو يتقنها بشَكْلٍ مُمتاز، ولكن ليلى تساءلت باستهزاء: كتب عن الإنجليزية أم اليهودية؟!
• اليهودية! ولِمَ يأتي بكتب عن اليهودية؟
• ليُعرِّفك على دينه أو رُبَّما، أو ربما بكتب عن الصِّهْيَوْنِيَّة؛ ليعرفك على فكره وانتمائه، أو حتى بكتب عن إسرائيل "قالتها باستحقار"؛ ليعرفك على وطنه وأرض الميعاد.
فما أنْ سَمِعَت مريمُ هذه الكلماتِ المُفْجِعة، حتَّى انقبض صَدرُها وضاق، وتفاجأت بما تقوله ليلى، ولكنَّها لم تستوعب الأمرَ بشكل جيد، أو أنَّها لم ترغب باستيعابه، وقالت: ولكن ما الذي تقولينه وما تقصدين؟!
• أنت فهمت كلامي جيدًا، وهل تريدين إفهامي أنَّك لا تعلمين أنَّ بنيامين هو إسرائيلي يهودي؟
• بنيامين! وهل هذا الشاب اسمه كذلك؟ هل هو يهودي حقًّا؟ لا، أنت تمزحين، أنا لا يُمكنني تصديق ذلك، فلي عِدَّة أسابيع أعرفه لم يذكر أمامي هذا الكلام قطُّ، ليلى، رجاء لا تَمزحي معي هكذا، فهو مزاح غير مقبول.
هنا علمت ليلى مما ظهر على وجه مريم أنَّها فعلاً لم تكن تعلم ذلك، فاستعملت الكلام اللَّيِّن معها، وقالت: مريم، هذا الشاب أمريكي يهودي، ثُمَّ ذهب إلى فلسطين المحتلة منذ سنوات، ودرس هناك في الجامعة فترة سنتين، ثُمَّ عاد لأمريكا، ولا أدري لماذا؟ ولكن أعتقد أنَّ الدراسة هنا أفضل.
• ومن أين علمت كل هذه المعلومات؟
• أخي يعرفه، ولَمَّا رآك مرةً معه، جاء وأخبرني، ولم أصدق الخبر، ولكن لما تأكدت لم أرضه لك، فأتيت لتنبيهك.
• شكرًا - يا ليلى - على خوفك، ولتعلمي أنِّي لو كنت أعرف ذلك، لَمَا قبلت بأن يكلمني، والآن عليَّ أنْ أستأذنَ "قالت كلماتها بأسًى وهدوء، ولكن بطريقة يائسة".
حبست مريم مشاعِرَها في قلبها، وعادت إلى البيت وهي تُفكِّر في كلام ليلى، وما أنْ دخلت غرفتَها حتى انفجرت بالبُكاء بعد حبسها لدموعها ومشاعرها طولَ الطريق، فكانت حزينة، إضافةً إلى شعورها بالألم؛ كونها انتبهت إلى شابٍّ يهودي مُحتل لأرض مسلمة، فبقيت لساعات وهي تلوم نفسَها.
وفي المساء عاد والِدُها من عمله، فأبو خالد الذي هو والد مريم يعمل هنا منذ ثلاث سنين، بعد أن تَعَرَّض لخسارة كبيرة في بلدِه سوريا، وضاقت عليه الدنيا بما رحبت، خاصة أن أولادَه ما زالوا في مرحلة الدراسة، وقد عَوَّدهم على مستوى عالٍ من المعيشة، فكان يتألَّم غايةَ التألُّم لما تغيرت أحواله، وأثَّر ذلك على نَمط حياةِ عائلته، فلم يستطِعِ التَّحمل، فقَرَّر السفر إلى أمريكا؛ ليعوض ما خسره، ويُحقق لأبنائه المستوى الذي عَوَّدهم عليه.
ولكونه لا يتقن إلاَّ العمل في المطاعم عمله الذي كان يُمارسه في سوريا، عزم على فَتْحِ مَطْعم صغير للأكلات الشامية في أمريكا، فلامته العائلةُ كثيرًا، فمن سيشتري أكلاتٍ شامية في أمريكا، ولكنه أصَرَّ، وقال: سأتوكل على الله، وأفتح هذا المطعم، فلَمَّا جاء إلى أمريكا، وجد أنَّ العربَ والمسلمين في ازديادٍ مُطّرد، فكانت أكلاته مقصدَ كلِّ مَن يسمع بها منهم، حتى الأمريكيّون صاروا يشترون منه، بعدما تعرَّفوا على الأكلات الشامية، وطعمها اللذيذ.
وكانت مريمُ تُحِبُّ أباها جِدًّا، وتُشفِق عليه؛ لاغترابه من أَجْلِها هي وإخوتها، خاصَّةً أنَّ أم خالد لا تَقْدِر أنْ ترافِقَ زوجها؛ لوجود أبناءٍ صِغَار يَحتاجونَها، فبعد أن نجحت مريم في الثانوية، أصَرَّت أن يأخذَها أبوها معه، فمن ناحية تؤنسه في غربته، وتطبخ له، وتقوم بأعمال بيته، ومن ناحية أخرى تدرس اللغة الإنجليزية، التي تُحِبُّها كثيرًا، وتريد أنْ تسخرها لخدمة دينها الذي تُحِبه جِدًّا، وتريد نُصرته، فمن حُبِّها للغة الإنجليزية وجدت ضالَّتَها في كيفية نُصرة دينها من خلال ترجمتها للكتب الإسلامية للغة الإنجليزية، فهَدفُها الأول من دراستها للغة هي الترجمة، ووجودها في أمريكا يَمنحها فرصةَ التحدُّث لسنين مع أبناء اللغة أنفسِهم؛ مِمَّا يُعينُها على إتقان اللغة كما ينبغي.
فبعد مَجيئه من العمل جلس مع ابنته، التي كانت قد استوعبت ما قد استمعت له في الصباح، فقصت على والدها الخبرَ، وقالت له: إنَّ ذلك الشاب هو يهودي، لا كما ظنَنْتَ بداية أنَّه مسلم، فدهش أبو خالد جِدًّا، وقال لها: إنَّ هذا الكلام مستحيل مطلقًا، وسألها إن كانت متأكدة من هذا الخبر.
• نعم، هكذا سمعت، وأظن أنَّ ذلك صحيح، فلا مَصلحةَ لليلى في الكذب.
• أنا لا أصدق، فهذا الشاب لا يبدو أمريكيًّا مطلقًا، بل على العكس، فلا يُمكن لأحدٍ أن يشكَّ في كونه عربيًّا، إضافة إلى أنَّه... ولم يكمل.
• إضافة إلى ماذا يا أبي؟
• لا، لا تهتمي، لا شيء مهم، على كُلٍّ أنت لا تَحتاجين لمساعدةِ هذا الشاب، فهو عَدُوٌّ لنا، ولا شكَّ في ذلك.
• أكيد، فلن تتخيلَ مدى كرهي له بعد مَعرفتي بذلك (ولكن قالتها بألم).
وفي اليوم التالي مُباشرة جاء بنيامين للقائها، وهو لا يعلم أنَّها كشفته، ولقد أحضر لها كتبًا قيمة تُفيدها جِدًّا في دراستها، ولكنَّها فاجأته بقولها: وهل هذه الكتب تحكي قصةَ أرض الميعاد، وأحقية اليهود في أرضنا أرض فلسطين، أو رُبَّما تَحْكي قِصَّةَ المحرقة، ومَظلوميتكم فيها؟ فصُعِقَ بنيامين من كلامها، وقال: لِمَ تتحدثين معي بهذه الطريقة؟ ولِمَ تكلمينني عن اليهود وفلسطين والمحرقة؟
• (أوه)، نسيت أنَّ سيرةَ المحرقة تُزعِجك أيُّها اليهودي.
• نعم أنا يهودي، ولكن ما يزعجك في ذلك؟
• يا إلهي! كم أنت وقح تكذب عليَّ لمدة أسابي








منتدى جنة المسلمين
تطوير.اكواد.استيلات.فديوهات.منوعات.اسلاميات.برامج.والكثير
-*QQ*-

-*QQ*-


-*E*- -*U*-
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://jana.lolbb.com
 
القلادة.!!3
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الأسرة العربية لصيد الفوائد :: قصص :: ركن القصص لأخد العبرة والإستفاذة-
انتقل الى:  
مواقع صديقة
الأسرة الشامل | صور و خلفيات – قنوات فضائية